فصل: تفسير الآيات (15- 16):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير آيات الأحكام



.تفسير الآيات (205- 206):

قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)}.
قيل: الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو أمر بإخفاء كلّ ذكر، لأنّ الإخفاء أدخل في الإخلاص، وقيل: المراد بالذكر في النفس أن يكون عارفا بمعاني الأذكار التي يردّدها على لسانه، مستحضرا لصفات الكمال والعظمة والجلال، وذلك لأنّ المراد من الذكر أثره، وهو الخشية، فما لم يكن ذاكرا بقلبه فكيف يخشى.
وقيل: الخطاب لمستمع القرآن، والمراد أمر المأموم بالقراءة سرّا بعد فراغ الإمام من قراءته {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} أي متضرعا خائفا {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} أي ذاكرا متكلما بكلام هو دون الجهر من القول.
قال ابن عباس هو أن يسمع نفسه. وقيل: المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافتة، على حدّ قوله تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها} [الإسراء: 110].
{بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ} الغدو جمع غدوة، وهي ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس.
والآصال: جمع الجمع لأصيل، وقيل: غير هذا، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنما خصّ هذين الوقتين بالذكر، قيل: لأنهما وقتا هجوع وسكون، فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب {وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ} عن ذكر الله {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)} هم الملائكة، فهم ينزّهونه، ويخصّونه بغاية العبودية.
وهذه آية من آيات السجدة المعدودة في القرآن، طلب السجود ممن قرأها، أو سمعها، روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار».

.من سورة الأنفال:

.تفسير الآية رقم (1):

قال الله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)}.
هذه السورة كلّها مدنية، وقيل: هي مدنية إلا قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، وقيل: إلا قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} وبعضهم استثنى خمس آيات بعد آية: {وَإِذْ يَمْكُرُ}.
ومناسبتها لسورة الأعراف: أنها في بيان حال الرسول صلّى الله عليه وسلّم مع قومه، وسورة الأعراف مبينة لأحوال أشهر الرسل مع أقوامهم.
وسبب نزول هذه الآية ما أخرجه أحمد وابن حبّان والحاكم من حديث عبادة بن الصّامت رضي الله عنه أنّ المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم كيف تقسم، ولمن الحكم فيها، أهي للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فنزلت.
والسؤال إمّا لاستدعاء معنى في نفس المسئول، وهذا يتعدّى بنفسه تارة، وبعن أخرى، كما في هذه الآية. وإما لاقتضاء مال، فيتعدّى لاثنين بنفسه، نحو سألت زيدا مالا، وقد يتعدّى بمن، وفاعل السؤال يعود على معلوم، وهو من حضر بدرا.
والأنفال جمع نفل كسبب وأسباب، وهو في أصل اللغة من النّفل بفتح فسكون- أي الزيادة- ولذا سمي التطوع وولد الولد نافلة، ثم صار حقيقة في العطية لكونها تبرعا غير لازم. وتسمّى الغنيمة نفلا لأنّها منحة من الله من غير وجوب، أو لأن المسلمين فضّلوا بها على سائر الأمم التي لم تحلّ لهم، أو لأنها زيادة على ما شرع الجهاد له، وهو إعلاء كلمة الله: كذلك يسمّى بالنفل ما يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه. وبعضهم فرّق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص: فالغنيمة ما حصل مستغنما ببعث كان أو بغير بعث، قبل الظفر أو بعده. والنفل ما كان قبل الظفر أو ما كان بغير قتال، وهو الفيء، أو ما يفضل عن القسم.
إذا تبين هذا فاعلم أن الراجح هنا كون السؤال سؤال استفتاء لا استعطاء، وأنّ المراد بالأنفال الغنائم لا المشروط للغازي زيادة على سهمه، ويؤيد ذلك الراجح أمور:
1- أنّ هذا أول تشريع للغنيمة.
2- ما تقدّم من سبب النزول.
3- قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ} فإنّه لو كان السؤال طلبا للمشروط لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه.
ومن ذهب إلى المرجوح وهو أن السؤال سؤال استعطاء، وأن النفل ما يشترط للغازي فقد التزم زيادة (عن) أو جعلها بمعنى (من) وهو تكلّف لا ضرورة إليه.
ويبعده أيضا الجواب بقوله تعالى: {قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} فإنّ المراد به اختصاص أمرها وحكمها بالله تعالى ورسوله، فيقسمها النبي عليه الصلاة والسلام كما يأمره الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد، ولو كان السؤال سؤال استعطاء، و(عن) زائدة لما كان هذا جوابا له، فإنّ اختصاص حكم ما شرط لهم بالله ورسوله لا ينافي إعطاءه إياهم، بل يحققه، لأنّهم إنما يسألون بموجب شرط الرسول عليه الصلاة والسلام الصادر عنه بإذن الله، لا بحكم سبق أيديهم إليه مما يخل بالاختصاص المذكور.
والمعنى: يسألونك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ولمن الحكم فيها {قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} أي قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، وللرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى.
وهذه الآية محكمة بيّن فيها إجمالا أنّ الأمر مفوّض لرسول الله، وآية: {وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ} إلخ فصّلت هذا الإجمال ببيان مصارف الغنيمة، فلا تكون ناسخة لها {فَاتَّقُوا اللَّهَ} أي وإذا كان أمر الغنائم لله ورسوله فاتقوه سبحانه، واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون، فيدخل ما هم فيه دخولا أوليا {وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ} أي أصلحوا نفس ما بينكم، وهي الحال والصلة التي بينكم تربط بعضكم ببعض، وهي رابطة الإسلام، وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة وترك الأثرة والتفوق، وبالإيثار أيضا، فذات بمعنى حقيقة الشيء ونفسه مفعول به، وقيل: إنّ (ذات) بمعنى صاحبة، صفة لمفعول محذوف، أي أحوالا ذات بينكم، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك أي ما فيه، جعل كأنه صاحبه.
والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق، وكل ما بين طرفين كما قال تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] برفع بين بمعنى الوصل، وبنصبه على الظرفية بمعنى وقع التقطع بينكم. ومن استعمال البين بمعنى الافتراق والوصل قول الشاعر:
فو الله لولا البين لم يكن الهوى ** ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الغنائم، وفي كل أمر ونهي، وقضاء وحكم، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم. وذكر الرسول مع الله تعالى أولا وآخرا لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، والإيذان بأنّ طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة الله تعالى: وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى، والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف لدلالة ما تقدّم عليه، أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة فإنّ الإيمان يقتضي ذلك كله، أو الجواب نفس ما تقدم على الخلاف.
وأيا ما كان، فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه، لا التشكيك في إيمانهم، وهو يكفي في التعليق بالشرط.
والمراد بالإيمان التصديق، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أن من شأنه ذلك، لا أنه لازم له حقيقة.
وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل، والأعمال شرط فيه، أو شطر، فالمعنى إن كنتم كاملي الإيمان فإنّ كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة: الاتقاء والإصلاح وإطاعة الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

.ما يستنبط من الآية:

يستفاد منها أمور:
1- حرص الصحابة على السؤال عما يهمهم من أمر دينهم.
2- إنّ الأحكام مرجعها إلى الله تعالى ورسوله، لا إلى غيرهما.
3- اهتمام الشارع بإصلاح ذات البين، فهو واجب شرعا لتوقف قوة الأمة عليه وعزتها ومنعتها، ولحفظ وحدتها به.
4- إن امتثال ما أمر به الشارع من ثمرات الإيمان. والله أعلم.

.تفسير الآيات (15- 16):

قال الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)}.
(الزحف) قال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على استه قبل أن يقوم. وشبّه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما إلى صاحبتها للقتال، فتمشي كلّ فئة مشيا إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضّراب.
وقال الزمخشري: الزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنّه يزحف، أي يدبّ دبيبا، من زحف الصبي إذا دبّ على استه قليلا، سمي بالمصدر، والجمع زحوف.
{فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ} أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.
{إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ} المتحرّف للقتال هو الذي يفرّ موهما قرنه أنه منهزم، فإذا تبعه عطف عليه فقتله، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها، وهو حال من فاعل {يُوَلِّهِمْ} والاستثناء مفرّغ، أو منصوب على الاستثناء أي {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ} إلا رجلا متحرفا لقتال.
{أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ} التحيّز التنحي. والفئة: الجماعة.
نهى الله عن الفرار، وتوعّد عليه أشدّ الوعيد، وهو أن يرجع بغضب من الله، وأنّ مقره في جهنم، ولم يبح الفرار إلا لاثنين:
أحدهما: المتحرّف للقتال، وهو الذي يفرّ، ثم يكرّ مكيدة منه وخدعة.
والثاني: الرجل الذي يرى أنّه كالمنفرد، ويرى جماعة من المسلمين تحميه إذا انحاز إليها.
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: خرجت سرية وأنا فيهم، ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا، فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله نحن الفرّارون؟ فقال: «بل أنتم العكارون وأنا فئتكم» والعكارون الكرّارون العطّافون.
وانهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! هلكت فررت من الزحف، فقال عمر رضي الله عنه: أنا فئتك.
وهذه الآية حرّمت الفرار من القتال، وأما كم عدد العدو الذي يحرم الفرار منه فقد بينته آية: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الأنفال: 66].